ريمون جبارة يقتل "إنّ وأخواتها" .. إبداع يتجلّى على خشبة المسرح

الإثنين 16 كانون الثاني 2012،   آخر تحديث 18:35 سليم اللوزي

جلس الحضور على شكل طاولة مستديرة، أُطفئت الأنوار وصمت الجميع. خرج الممثل غبريال يمّين من العتمة إلى بقعة الضوء المسلّطة على خشبة مسرح جامعة سيدة اللويزة. رحّب بالجمهور الذي صفّق له بحماسة. ثم قدّم مشهدين من مسرحيتين لم يعاصرهما جيل ما بعد الحرب الأهلية ساعدته في تقديمهما الممثلة جوليا قصار.

المشهد الأول من مسرحية "صانع الاحلام" التي عرضت في العام 1985، والمشهد الثاني من مسرحية "زرادشت صار كلبا" والتي عرضت في العام 1977.

امرأة خمسينية تجلس بين الحضور. تتذكر هذه المشاهد جيداً، لقد نشأت على "ديالوغ" وافكار الكاتب والمخرج المسرحي اللبناني، ابن قرية قرنة شهوان المتنية ريمون جبارة.

 

 

على بطاقة الدخول إلى المسرح كتب "بمناسبة يوبيلها الفضي، جامعة سيدة اللويزة تقدّم، "مقتل إنّ وأخواتها" من تأليف وإخراج ريمون جبارة". الصورة بدأت تتضح للجيل الجديد، خصوصاً ان جبارة قدم آخر اعماله في في العام 1997 "بيكنيك ع خطوط التماس"، قبل ان يدخل في صراعٍ مع المرض الذي منعه من السير وحيداً ودون مساعدة، ولكنه مع ذلك لم يثبط عزيمته أو يحبط إنتاجه.

لم ينقطع جبارة عن جمهوره الذي تابعه عبر مقالاته الأسبوعية في جريدة النهار، او عبر سماع صوته على اذاعة "صوت لبنان" ببرنامجه "ألو ستّي"، جبارة هذه المدرسة في المسرح، والتي يجدر على الدولة اللبنانية ان تدرج نصوصه في كتب القراءة المفروضة على المنهاج التعليمي، علّ التلميذ يحمل في زاده بعضاً من إنتاج هذا العبقري المسرحي الذي سخر من الحياة بأسلوبه اللاذع. إن ابداع جبارة وطموحه اللذين احتلا عقله، أجبروه على الركض في افكاره وهواجسه خلال العرض، كما جميع عروضه السابقة.





في المشهد الأول، جوليا قصار السكرتيرة تجلس على مكتبٍ تقليديّ داخل مكتبها المتواضع المزروع في المدرسة. في خلفية المشهد صوت اطفالٍ يرددون "با بو بي"، على يمينها مقعد خشبيّ يجلس عليه الممثل رفعت طربيه مردداً بطريقة هستيريّة ما يقوله الأطفال، دخل غبريال يمّين إلى غرفة السكرتيرة، سألها ان كان يستطيع ان يصطحب ابنه إلى المنزل، تعتذر منه وتخبره بأن عليه الانتظار ساعة اضافية قصاص بعد الدوام لان ابنه "عمل تحتو" (كلمة لبنانية المقصود به ان تبول في ثيابه). تأسف يمّين واعتذر منها وشارك الرجل الأصلع المقعد.

يمّين هو "السيد محظوظ" ذاك الرجل الذي يعمل "سمكري" في الشتاء ومصلح مكيفات للسيارات في الصيف، وعاطل عن العمل في الأشهر العشر المتبقية من السنة، طربيه هو "الدكتور مأيّر" الدكتور في الالسنية وعلم اللغة الذي جال بلاد العالم متمسكاً بأصول اللغة العربية وتفرعاتها، لديه عقده وعاداته. ينتظر على هذا المقعد من اربعة ايام، ان تسمح له "الريّسة" المسؤولة عن المدرسة التي استغنت عن خدماته والتي يقدمها جبارة بطريقة نقدية ساخرة قريبة إلى الحقيقة بوصفها تلك المرأة التي تزرع الرعب في روح الأساتذة والتلاميذ بصرامتها، تلك المرأة المنغلقة على العالم والتي لا تفتح المجال للحوار والنقاش في القرارات التي تتخذها، ويجسد شخصيتها الممثل انطوان الأشقر.



 

تتسارع المشاهد في دراما الضحك والوجع، هذا النوع من النصوص الذي اشتهر به ريمون جبارة منذ سنين، ان كان في مسرحية "زرادشت صار كلباً" (1977)، و"دكر النحل" (1982)، و"صانع الأحلام" (1985)، و"من قطف زهرة الخريف؟" (1992) و"بيكنيك ع خطوط التماس" (1997).

ينتظر "السيد محظوظ" و"الدكتور مأير" مصيرهما مثل "فلاديمير" و"استراغون" خلال مسرحية "في انتظار غودو". ساعة من الانتظار غيرت قدر الشخصيتين الأساس في المسرحية، "السيد محظوظ" الغارق في ديونه ومشاكله المادية و"الدكتور مأير" الغارق في هموم اللغة العربية وانحداراتها.

 حوار شيّق يدور بين الشخصيتين. حاول من خلاله جبارة ان يوصل للحضور الوجع الذي يشعر به بطريقة ساخرة، وطرح أسئلة كثيرة تدور في فضاء مخيلته ومخيلة الحضور والتي لا يجدون لها اجابة، انتقد السياسة في البلد من أصغر فرد إلى الرؤساء والوزراء، انتقد الدين والله والقدر، انتقد المجتمع والنفوذ، انتقد الوضع الاجتماعي، الفرد في لبنان وتصرفاته، استطاع جبارة ان يعرّي المواطن اللبناني "الكذاب" في مسرحيته، عرّاه من جميع "التفشيخات" التي يمارسها في حياته اليومية كي يعيش، ولم يسقط نص جبارة الزوجة اللبنانية، المرأة اللجوجة التي تطلب وتطلب دون مراعاة وضع الزوج، ولم يسلم العِلم في لبنان من النقد، لا سيما الشهادات المزورة التي يحصل عليها "الدكاترة" من احدى اكشاك المدينة مقابل حفنة من المال، فينتقل من مستنقعه إلى غرف الجامعات والمدارس ليصبح دكتوراً بشهادته التي وصفها جبارة بأنها ورق حمام، لقد انتقد جبارة العبثية بنصّه.

 

 

بعد الصراع الذي تعيشه الشخصيات الثلاث على خشبة المسرح، والتي تظهر اننا في عالم كل شخص يعتقد ان همومه هي الاساسية ويتفه هموم غيره، لا سيما في الحوار الذي يجري بين "الدكتور مأيّر" و"السيد محظوظ".

برع يمّين بأدائه على المسرح، وهو مساعد المخرج، خصوصاً في المونو- دراما التي ادرجت ضمن مشاهد المسرح، عضلات وجهه تتحرك بايقاعات مدروسة متناسقة مع المؤثرات والمفاجآت التي تصدر عن الشخصية المواجهة له، حركاته طبيعية وتفاعلية دون تصنّع.

 المفارقة كانت بشخصية "الريّسة"، لا سيما وان الذي جسد شخصيتها رجل، وبالرغم من انه لا يتفوه بأية كلمة على المسرح، الا ان حركاته ومشيته الساخرة من عقلية "الريّسة" وتصرفاتها في الحياة كانت بمثابة الكلمات الناطقة. رفعت طربيه، بحنكته وتمكنه من دوره، تقمّص شخصية الدكتور المهووس بنفسه وعظمته، ونقل الشخصية إلى المسرح بحذافيرها.

 

 

اما السكرتيرة، التي اقتصر كلامها على بعض المشاهد، الا انها استطاعت بجهدها وتاريخها المثقل بالخبرات لا سيما وانها استاذة جامعية تدرّس المسرح بان تجسد كافة جوانب الشخصية بحرفية واتقان عاليين.

في الختام، لا بد ان نشكر جامعة سيدة اللويزة على هذه المبادرة، لا سيما وانها أعادت جبارة إلى المسرح عبر تقديمها المكان وانتاجها العمل كتكريم له، على امل ان يعود المسرح اللبناني إلى تلك الحقبة التي ازدهر بها عبر مسرحيات جديدة تستخدم من خلالها تقنية مسرح الـ360 درجة، ويشارك في هذه الأعمال كبار المسرحيين أمثال روجيه عساف، رندة أسمر وغيرهم.

 

تعليقات

على القرّاء كتابة تعليقاتهم بطريقة لائقة لا تتضمّن قدحًا وذمًّا ولا تحرّض على العنف الاجتماعي أو السياسي أو المذهبي، أو تمسّ بالطفل أو العائلة.
إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع كما و لا تتحمل النشرة أي أعباء معنويّة أو ماديّة اطلاقًا من جرّاء التعليق المنشور .

حقوق النشر محفوظة 2012 elnashrafan.com elnashrafan.com