يمثل الاب منصور لبكي نموذجا في الأدب اللبناني الحديث في قوته وقدرته على العطاء والوفاء دائما للمحبة والطفولة.
"شريد القمر" رواية الاب الأديب منصور لبكي قدم لها الرئيس الراحل شارل حلو، وعرّف بالكاتب جان كلود ديلو وتقع في 152 صفحة وصدرت عن منشورات دار النهار للنشر.
تدور أحداث الرواية حول طفل يدعى ميلاد وهو يتيم الابوين، ومن اكثر الايتام عوزا، ويعيش في عالم مدهش من الأحداث والشخصيات والجنسيات المتباينة.
تنهض الرواية على تشابك الأحداث وتداخلها بالتوازي مع الغوص في نفسيات أبطالها وتحليل نوازعهم المتناقضة. انها الرمز واللغة في كتابات الاب منصور لبكي (راجع الصفحات 39-48).
كل ذلك ينسج وفق حبكة درامية متينة، تخطف عقل القارئ وروحه، حيث يجد نفسه في نهاية المطاف مشاركا وصانها للأحداث.
الكتابة الروائية عند الأب لبكي على ما يبدو لنا من خلال تسلسل أحداث روايته القصصية الرائعة "شريد القمر" عذاب لكنها ابداع يلائمه. وفي اطار صياح داخلي صاخب كالجمر !
لوحة الغلاف جميلة تجذب المشاهد والقارئ في آن، وكان هذا الرسم البديع خير دعاية للكتاب.
"شريد القمر" وقد ترجم هذا الكتاب بالفرنسية في عاصمة النور.
هو رواية قصصية قصيرة استوحاها المؤلف من واقع معايشته اليومية مع فلذات أكبادنا.
وبالرغم من مرارة وقسوة التجربة وحجم المعاناة، فان الكاتب على ما يبدو لنا عبر صفحات كتابه الوثيقة قد تعلم الكثير.
وهذه القصص نسيج حاكته تجربة عاشها الكاتب المبدع وعايشها. وكان مخزون ذكرياته مفتاحا للأبواب مجنحة نزعها الالم والامل من عروقه ليحلق عاليا في سماء الوطن المثخن جسده بالجراح. وربما كان في بعض قصصه شاهد عيان، راقب الأحداث .. وفي الأخرى عاش التجربة بكل جوانبها المأساوية.
فالأب منصور لبكي ما زال مسكونا بوجدان "ميلاد" (صفحة 11-19)، الوحيد الأعزل الذي تحطمت آماله في عمق السرداب الرطب يحاول بيأس اشعال اصابعه وشموع الأمل ليقاتل بنوره الشحيح .. صور موحشة كأحجية النسر المعلقة في عنق آلهة الحرب.
لا يعتمد الاب لبكي في هذه الرواية على تدفق السرد وسلاسة فحسب، بل يفيد كذلك من فنون السينما الدينية وتقنياتها بأسلوب يسهم في امتاع القارئ.
هذا فضلا عن الطرق التي يرسم بها الاماكن ووصفه الدقيق المرهف لملامح شخوص روايته وللأجواء التي تصطحب فيها تسلسل أحداث روائعه القصصية نظرا لخبراته باعتباره يعشق الغوص في أعماق الأحداث الدراماتيكية بلغة عربية تقطر عذوبة لا عتمة فيها ولا اضطراب، فجاءت الحوارات بين شخوص الرواية بفصحى رائعة، وتعكس خبرة عالية في الحكي والقصّ ودوائر السرد بين القصة والرواية.
ان مراقبتنا النقدية بين قصص الأب منصور لبكي القصيرة ورواياته تفتح حوارا صافيا عندما يتصوّر لبعضهم أن ثمة تسلسلا في مراتب الابداع، ينطلق من القصة القصيرة، فالقصة، فالرواية، وهذا موقف لا يقرّه اي موقف نقدي متبصّر ذلك أن الطاقة الخلاقة لدى الكاتب منصور لبكي تلمع في جنس او نوع ادبي وتكون هي العلاقة التي تبرز وتضيف الى المشهد الادبي الروائي رؤية واسلوبا.
فالرواية اللبنانية مثل غيرها من الروايات العربية تواكب تطور العالمية. لكنها تحاول دائما ان تكون لها خصوصيتها التي هي جزء من خصوصية الرواية اللبنانية يقول صاحب رواية "الرغيف" توفيق يوسف عوّاد.
لن تعرف الحقيقة ابدا وكل ما حولنا دخان ومرايا ! يقول الكاتب الاميركي بول أستر.
وقد تكون تلك هي نظرة الكاتب الأب منصور لبكي للحياة، الذي حقق نجاحات كبيرة ورأى أن عالم الابداع هو المكان الوحيد الذي يلتقي فيه الجميع من كل انحاء العالم.
ولو أن الأب لبكي عاش احيانا بين الهجرة من الادب والهجرة من الوطن ! الا انه اختار وطن الارز !!
منصور لبكي كاتب وجداني مسكون بحس انساني عميق يعكس نفسه في كلمات عذبة تدخل القلب والعقل.
تعليقات
على القرّاء كتابة تعليقاتهم بطريقة لائقة لا تتضمّن قدحًا وذمًّا ولا تحرّض على العنف الاجتماعي أو السياسي أو المذهبي، أو تمسّ بالطفل أو العائلة.
إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع كما و لا تتحمل النشرة أي أعباء معنويّة أو ماديّة اطلاقًا من جرّاء التعليق المنشور .