من تفاصيل البرونز مروراً بالحجر، لنقف أمام كتل الرخام الضخمة، تسرقنا دهشة تتسرّب من أصابع فنان ترك عبر التاريخ بصمة أثارت النقاد والجمهور في آن.
طوّع أوغست رودان الضوء ليخلق الظلّ على منحنيات أجساد باتت إلى يومنا هذا رمزاً من رموز الابداع.
ربما لم يكن رودان قاصداً ان يعلّق أنظارنا على الكتابة التي غيّرت بعضاً من مفاهيم النحت فتتحول إلى مدرسة منفردة في إطلاق معطيات تقنيّة مدهشة.
ولد الفنان الفرنسي أوغست رودان شتاء 1840. ويعتبر من أهم نحاتي القرن التاسع عشر حيث أن سيرته دلّت على وجود فنان يتجاوز الانطباعيين، فأثار الجدل.
في الرابعة عشر من عمره، بدأ يتعلم الرسم والحساب في حي لاتيني فرنسي. وقد تعمّد زيارة متحف اللوفر في باريس ويدرس الرسوم في مدرسة الامبراطوريّة.
فشل ثلاث مرّات في اجتياز امتحان مدرسة الفنون الجميلة، بيد ان الفشل كان محرّضاً لدخوله إلى عالم الزخارف.
وبعدها انتقل إلى إيطاليا لدراسة أعمال روّاد النحت العالميّين. لم يكن قد اتمّ من العمر سبعة وثلاثين عاماّ عندما عرض فنّه للمرّة الاولى في صالون في باريس عام 1877.
وراح يراقب الناس الذين أغمضوا عيونهم من شدّة وهج عبقريّته وهم يلتفّون حول تمثاله، "رجل من العصر البرونزي"، في صالون باريس 1877.
أنشأ مشغلاً على قمّة "مونمارتر"، فكان باكورة أعماله تمثال منحوتة تنبض بالحياة وتفنّن في إظهار تفاصيل الجسد.
وقام بنحت تمثال للقديس يوحنا الذي تحوّل في ما بعد إلى إعجاز نحتي.
كان قادراًُ على جعل الجسد الجامد صاحب حركة. أبرز اعماله التاريخيّة: "المفكّر"، "بالزاك"، "فيكتور هيغو"، "بوابة الجحيم" و"برجوازيّة".
عام 1887، زارته في مرسمه فتاة في الرابعة والعشرين تدعى "كامي كلوديل" وأثارت إنتباهه. تجاوز الإعجاب إلى درجة الحبّ. وأصبحت "موديل" لمعظم أعماله وشاركته حياته الفنيّة الأولى وكان اولها تمثال "متعة الزهور".
رودان لم يكتف بالنظر إلى التمثال كبناء تشريحيّ بل أراد ان يراه جسماً متوهّجاً بالضوء.
كان رودان عظيماً في استجماع عناصر فنّه وتحديد مصادر إلهامه.
وبعد ثلاثين عاماً من مشاركة "كامي كلوديل" حياة رودان، انسحبت في هدوء. دخل في سبات المرض بعد ان نال منه التعب في ميلاده السابع والسبعين.
وتوفي في "مودون" شتاء 1917 ولم تنظّم له جنازة وطنيّة. ولكن الجمهور الذي سكنته هواجس وإبداعات "رودان" لم يكفّ عن التصفيق رغم الحزن الذي طال المدينة.
وبقي تمثال المفكّر يحدّق على شاهده قبر "أوغست" الذي عكس مفاهيم النحت بجزئياته وجعل الحركة تنطبق في الأجساد الثابتة، كما تبقى مقولة "ديكارت" الخالدة "انا افكر إذن أنا موجود".
تعليقات
على القرّاء كتابة تعليقاتهم بطريقة لائقة لا تتضمّن قدحًا وذمًّا ولا تحرّض على العنف الاجتماعي أو السياسي أو المذهبي، أو تمسّ بالطفل أو العائلة.
إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع كما و لا تتحمل النشرة أي أعباء معنويّة أو ماديّة اطلاقًا من جرّاء التعليق المنشور .